نص المداخلة التي قدمها الأستاذ عبد الله ساعف أمام المناظرة الوطنية لجمعيات المجتمع المدني

أثناء الجلسة العامة للمناظرة الوطنية لجمعيات المجتمع المدني، المنظمة من طرف دينامية نداء الرباط ببوزنيقة والمنعقدة بتاريخ 30 نونبر2013، قدم الأستاذ عبد الله ساعف مداخلة فيما يلي نصها:

تشكل المناظرة الوطنية للمجتمع المدني المنظمة من طرف دينامية إعلان الرباط حدثا “تاريخيا ، بالنظر إلى الشروط التي تنعقد في إطارها اليوم ، سواء على المستوى الكمي أو الكيفي ، من وجهة نظر عدد الجمعيات الممثلة والتي بلغ عددها 2500جمعية وشبكات جمعوية استجابت إلى النداء ، بل وسبق أن شارك معظمها في اللقاءات الجهوية . وقد ارتأت اللجنة المنظمة لهذه  المناظرة أن يقتصر الحضور على 1500 مندوب بسبب القيود التي فرضتها قلة الإمكانيات المادية .ومما لاشك فيه أن لقاء بوزنيقة يبقى مع ذلك حدثا استثنائيا .

لقد عرف المجتمع المدني ، وبصفة خاصة  الحركة الجمعوية بالمغرب ، خلال العقود الأخيرة نموا و تطورا بارزين : 6700 جمعية في فترة السبعينيات ، 28000جمعية في الثمانينات 45000 جمعية ، وفقا للبحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2009 93000جمعية حسب أخر التقديرات الإحصائية الرسمية .ويجب القول على أن المعطيات الأساسية تظل تقريبية أو أيضا  يتعذر الولوج إليها . لكن بالرغم من هذا الغموض الذي يحيط بالمجتمع المدني  فان الحس المنطقي يبرز ، بالتأكيد ، على آن هذه المناظرة تشكل لحظة حاسمة سيسجلها التاريخ …

تتمحور هذه المداخلة حول خمس ملاحظات :

الملاحظة الأولى:
تتعلق بالإطار المرجعي . وفي هذا الصدد يشير الكثير من المتدخلين إلى أن الدستور وعمليات تفعيله تمثل الإطار المرجعي الرئيسي ، وبصفة خاصة القوانين التطبيقية . إن الإحالة على النص الدستوري أمر بالغ الأهمية .ومع ذلك يجب التأكيد على أن العمل الذي يقوم به إعلان دينامية الرباط يرتكز على سيرورة تاريخية تمتد على مدى فترة طويلة ، على الأقل منذ الاستقلال إلى يومنا هذا ، كما انه يحيل على التجارب الطويلة  للحركة الجمعوية المغربية ، تراكماتها ، واختياراتها السياسية ، الثقافية ، الاجتماعية والثقافية . إن جميع هذه الأطر المرجعية ، وليس فقط الدستور والقوانين الناجمة عنه تشكل أساس عملية التفسير والتدقيق التي تسعى الحركة الجمعوية الانخراط فيها خلال هذا اللقاء ببوزنيقة .

 الملاحظة الثانية:
تتعلق بمسالة القيم . إن المجتمع المدني الذي يتعلق الأمر به هنا، يفصح عن ذاته كمجتمع مدني ديمقراطي.وقد تم تسليط الضوء على هذا  البعد منذ مدة طويلة ، كما تم التذكير به مرارا منذ انطلاقة الدينامية : فكرة معينة عن العدالة ، المساواة ، الحرية ، الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، الحق في الاختلاف، … الخ.

 لقد استطاع المجتمع المدني المغربي ، طيلة تاريخه أن يكتشف مجموعة من المجالات التي لم تكن معروفة إلى حدود تلك الساعة داخل المجتمع المغربي في مجالات القيم ، عن طريق التعبير عن الإشكاليات  الأولية المتعلقة به ، وتقديم الصيغ الأولية ، القيم المختلفة في مجال حقوق الإنسان ، السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية والثقافية . لقد قام بالتجديد و الاستباق  وتنظيم النقاشات و الاحتجاج ، توجيه عرائض ومذكرات…، ولقد كان له وبكيفية غير متكافئة  ، تأثير في القرار السياسي بل والتشريعي والتنظيمي وكذا التأويلات والممارسات والتحليلات .

إن ما يفرض نفسه اليوم هو التأكيد على مركزية هذا المتن من القيم، حضورها بكيفية حادة وأوسع نطاقا وتطبيقها بكيفية أكثر تنظيما. إن ماهو مطلوب من الآن فصاعدا ، بخصوص القيم ، يتمثل في تحقيق “قفزة إلى الأمام ” أكثر تميزا ، إثباتا ، أكثر قوة وتفسير أفضل للأدوات الدستورية و المعيارية و التنظيمية . ويتعلق الأمر أيضا باستكشاف واستثمار الأبعاد الجديدة لحقوق الإنسان والتي لم يتم إدماجها بشكل تام. إن التميز مع المراحل السابقة يكمن في التغيير الذي حصل على مستوى الدرجة والطبيعة.

ينبغي على المجتمع المدني الديمقراطي، على صعيد القيم أن يكون على استعداد، ادن، للتأكيد بقوة على القيم التي ناضل من اجلها والتي تشكل جوهر هويته. ينبغي على المجتمع المدني أيضا أن يكون على استعداد لاكتشافات جديدة.

 الملاحظة الثالثة:
تتعلق بمختلف الحوارات التي تتم اليوم أمام أعيننا . وبصفة خاصة الحوار الوطني حول المجتمع المدني وسيرورة نداء الرباط الذي يعقد اليوم  مناظرة وطنية للمجتمع المدني .

لقد تميزت عملية الحوار الوطني حول المجتمع المدني بتكوينها والمدة التي حددتها وصلاحيات اللجنة الوطنية والأسلوب الإجرائي الذي تبنته ، لجانها الدائمة ، أدواتها في العمل ( 4 مؤتمرات وطنية ، 16 لقاء جهويا ، المؤتمرات الموضوعاتية ، المؤتمرات الدولية ، المناظرات الوطنية ، تلقي المذكرات ، تنظيم جلسات الاستماع ، التطلع إلى وضع تصنيف وتجميع الدراسات المتوفرة ، مشروع انجاز تقويمات مقارنة ، وضع دفاتر للتدابير الإجرائية ، تنظيم في محطة نهائية مؤتمرا يختتم الحوار ، نشر وترجمة أعمال الحوار ، كتابة تقرير شامل حول ظروف مروره ، انجاز وثيقة موجزة عن أعمال الحوار

إن الميكانيزمات التي اعتمدها الحوار الوطني القائم تبعث على الارتياح ، وكان بالأحرى أن يظهر في صورة أكثر تنظيما لولا الاعتراضات  المبدئية المرتبطة بالمضمون التي عبر عنها أصحاب إعلان الرباط في حينها.لقد توصلنا من جهات مختلفة بانطباعات حول مجريات الحوار في هذه المرحلة. وهكذا تم انتقاد واقع أن  الجانب التقني  والتنشيط الترابي قد هيمن على نوعية وطبيعة الحوار .وقد سجل بعض الملاحظين أيضا أن الخبرة وتجربة المجتمع المدني المغربي لم يتم الاستناد عليها ، كما لو أنه انطلق من لاشيء .ومن بين المؤاخذات الأخرى أن التجربة المغربية الغنية جدا في مجالات الحوار، التشاور، وفضاءات الاستماع لم يتم الاستفادة منها.كما سجل بعض الملاحظين أيضا غياب الطابع الأفقي لعمل اللجنة، آي غياب التفاعل بين مختلف المصالح الوزارية المعنية بالمجتمع المدني.

 أما بالنسبة للحوار الذي أطلقه إعلان الرباط فلا يمكن تحديدها باعتبارها” حوارا موازيا”. لقد انطلق مع المجتمع المدني الديمقراطي منذ اعتماد الدستور الجديد بل وقبل انتخابات نونبر 2011، وقبل تشكيل الحكومية الحالية في يناير 2012، لن أسهب في الحديث عن تفاصيل كل العملية. لقد تم تقديم ورقة خاصة في هذا الشأن حول سريانها .ان العمل الأساسي الذي يتعين انجازه يتمثل في تعميق ودعم الفاعل الجمعوي باعتباره شريكا ومراقبا للشأن العام بعيدا عن أية وصاية . إن وجود المجتمع المدني يتوقف على المحافظة على مسافة معينة مع الحكومة والدولة .

 الملاحظة الرابعة:
ترتبط بطبيعة المجال الخاص بالمجتمع المدني أولا ، إن الواقع الجمعوي يندرج في مسافة عن السلطة، وبالتالي فهناك أشياء تخص المجتمع المدني لا تتلاءم مع منطق الدولة ولاتسمح بالاقتراب منها.
إن المجتمع المدني يتجاوز أي تمفصل عن الدولة .و على الرغم من انه من الواضح ، ضمن المنطق الهيحيلي ، أن لا وجود لمجتمع مدني دون وجود دولة قوية ولا وجود لدولة قوية دون وجود مجتمع مدني قوي .

إن المجتمع المدني يتحدد كذلك  بعيدا عن العمل الحكومي. انه ليس شانا لمصلحة عمومية معينة.وبهذا المعنى فمن المنطقي أن المجتمع المدني لا يمكن أن يكون موضوعا لسياسة عمومية في حد ذاتها.إن الاستقلالية تشكل احد العناصر الأساسية التي ينبني عليها مفهومه. إن بإمكان السياسات العمومية أن تأخذه بعين الاعتبار ، أن تعمل على تطويره و تفتقه ، وخلق بيئة ملائمة لارتقائه لكن دون تغيير طبيعته الأساسية التي تستند أولا على الاستقلالية .

 أخيرا إن الملاحظة الخامسة التي أريد تناولها سريعا لكي اختم فتتعلق بالطريقة الممكنة لعمل مكونات المجتمع المدني. وهنا أفكر في التوجه الذي تبناه الفاعلون في قطاع الإعلام عندما يلحون على فكرة التدبير المشترك وفكرة التنظيم الذاتي. إن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق سوى على أساس إخراج المجتمع المدني من عالم غير المهيكل الذي لا زال إلى حدود اليوم محاصرا فيه. ومن الضروري أن يتم دلك على أساس موجة من الماسسة الدالة .إن السياق الدستوري الجديد يفرض قواعد ، آليات محددة ومفصلة للتداول واتخاذ القرارات الدقيقة كما يفرض معايير التمثيلية ( من يمثل من  في نقاش عام ما ، أو في مجلس مؤسسات ما ،  أوفي هذا الحوار  في هذه المؤسسة ،…الخ .)

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.